الشيخ داود الأنطاكي
230
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
البحث الرابع : في استيفاء ما تدعو إليه الحاجة منها كل صناعة تتعلق باليد فموضوعها الجسم الطبيعي الا الموسقيري فموضوعه الصوت المشتمل على الألحان المخصوصة ، وقد وقع الاجماع على أن المخترع لهذا الفن المعلم الثاني بوه سميي معلماً ، وهذا الكلام يشبه أنه ليس كذلك ؛ لما رأيناه في تراجم فرفوريوس من أنه قال للمعلم حين فرغ من المنطق : هل أبقيت شيئاً قال : نعم ما دونته نصف مادية الالفاظ وبقيَ في النفس نصف لا يدخل الالفاظ بل هو مجرد الهواء . وهذا الكلام مادته نصف مادة الالفاظ وزيادة لمن تأمل ما وقع في الهندسة والنحو وغيرهما من العلوم ، فيكون ما ألفه الفارابي إبداعاً ؛ إذ من البعيد أن نقف على نحو لفظ يوناني ولم يقف هو عليه مع اجتهاده في ذلك وكيف كان فهو الذي الف وابدع وقسم ونوع ورتب الألحان ووفق الأمراض والأبدان وحرر النسب الفلكية في النغم والأصوات ، وقد كان غناء الناس قبله اختيارياً يأخذونه قياساً على نطق الحيوانات فالطفه ما يحاكي به الطير البري عند الصباح في الرياض المتشابكة ذوات المياه الجارية خصوصاً العندليب والهَزار والمطوق . ومنهم من يقيس على حركة المياه في المصابِّ المختلفة والنواعير « 1 » والدوالي . ومنهم من يحاكي الهواء عند دخوله في منافذ يصنعونها ، ومنه اخذت ذوات الشعب المثمنة على ما رأيته في الاستدراك والاسرار اليونانية ، وأكثر الحان الصين عليه إلى الآن . واما الهند ، فقد لحنوا على طريق الأواني المجوفة وعايروها بالماء على أنماط مختلفة . والروم بالنحاس والخشب وعلى ذلك لحنت الأناجيل في الكنائس واستمر الأمر حتى جاء هذا الرجل فاستنبط من هذه المواد ونحوها نسباً قارن بها الطبائع والحركات الفلكية واخترع العود المعروف بالسيج وجعل أوتاره على وزان تفريع اورطا من القلب إلى الأصابع